الشيخ محمد رشيد رضا
586
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مثل ما هدينا له إبراهيم وذريته من النبوة والحكمة ، وارشاد الخلق وتلقين الحجة ، قيل إن اسم ( نوح ) من مادة النوح العربية والمشهور انه أعجمي ، قال الكرماني معناه بالعربية ( الساكن ) وقال مؤرخو أهل الكتاب ان معناه ( راحة ) * * * * * * وأما قوله تعالى وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً ، وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ فهو عطف على « وَنُوحاً هَدَيْنا » أي وهدينا من ذريته داود وسليمان الخ وقد جزم ابن جرير شيخ المفسرين بأن الضمير في ذريته لنوح وتابعه على ذلك بعض المفسرين واحتجوا بأنه أقرب في الذكر وبأن لوطا ويونس ليسا من ذرية إبراهيم ، وزاد بعضهم ان ولد المرء لا يعد من ذريته فلا يقال إن إسماعيل من ذرية إبراهيم . وهذا القول لا يصح لتصريح أهل اللغة بأن الذرية النسل مطلقا . وأخذ بعضهم من قوله تعالى ( وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) أن الذرية تطلق على الأصول كما تطلق على الفروع ، وذلك بناء على أن المراد بالفلك المشحون سفينة نوح . وقال بعضهم ان الذرية هنا للفروع المقدرة في أصلاب الأصول ، والقول الآخر في الفلك المشحون ، انه سفين التجارة التي كان المخاطبون يرسلون فيها أولادهم يتجرون وذهب سائر المفسرين إلى أن الضمير عائد إلى إبراهيم لان الكلام في شأنه ، وما آتاه اللّه تعالى من فضله ، وانما ذكر نوحا لأنه جده ، فهو لبيان نعم اللّه عليه في أفضل أصوله ، تمهيدا لبيان نعمه عليه في الكثير من فروعه ، ويزاد على ذلك ان اللّه جعل الكتاب والنبوة في نسلهما معا ، منفردا ومجتمعا ، كما قال تعالى في سورة الحديد ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ ) وقال بعض هؤلاء : ان يونس من ذرية إبراهيم ، وان لوطا ابن أخيه وقد هاجر معه فهو يدخل في ذريته بطريق التغليب ، ويعد منها بطريق التجوز الذي يسمون به العم أبا ، وتقدم بيان هذا التجوز في الكلام على أبي إبراهيم ( ص ) في فاتحة تفسير هذا السياق وقد ذكر اللّه تعالى في هذه الآيات الثلاث أربعة عشر نبيا لم يزتبهم على حسب